Type Here to Get Search Results !

ملعب الحسن الثاني ببنسليمان: هندسة أضخم صرح كروي عالمي والآثار الاقتصادية لمونديال 2030

0
على أراضي جماعة المنصورية التابعة لإقليم بنسليمان، تتسارع وتيرة العمل في واحدة من أكثر ورشات البناء تعقيداً وضخامة في تاريخ القارة الإفريقية. فمشروع «ملعب الحسن الثاني الكبير»، الذي رُصدت له ميزانية إجمالية تناهز 5 مليارات درهم بطاقة استيعابية تتسع لـ 115 ألف متفرج، لم يعد مجرد ملعب لكرة القدم مصمم لتعزيز الملف الثلاثي المشترك لمونديال 2030 بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، بل تحول إلى رافعة استراتيجية للتخطيط الحضري والاستثمار الإقليمي المندمج؛ إذ يؤسس لقطب تنموي ورياضي فاصل بين العاصمتين الاقتصادية والإدارية للمملكة. ومع إسناد الصفقات التقنية الدقيقة لتهيئة أرضية اللعب وتثبيت التغطية الفولاذية، يدخل هذا الصرح مرحلة الحسم التنفيذي قبل موعد التسليم المرتقب عام 2028.

أصالة معمارية برؤية عالمية: «خيمة الموسم» ترتفع في سماء بنسليمان

يحمل التصميم المعماري للملعب، الذي أبدعه التحالف الهندسي الدولي بقيادة المكتب الإسباني «كروز إي أورتيز» بشراكة مع المهندس المعماري المغربي طارق والالو، بصمة ثقافية متفردة تمتح من التراث الأصيل للمملكة. فالهيكل الخارجي مستوحى بالكامل من الخيام الكبرى لـ «الموسم» المغربي التقليدي، حيث تلتقي التجمعات الشعبية بالاحتفال والفروسية.

ويتميز الهيكل بسقف دائري معلق مصنوع من هياكل فولاذية وأغشية مشدودة فائقة المقاومة رُصدت لأشغالها وحدها ميزانية تقارب 3.29 مليار درهم، لضمان تغطية كاملة للمدرجات وحمايتها من العوامل المناخية مع السماح بنفاذ الضوء الطبيعي وتدوير الهواء.

وبحسب المعطيات التقنية الصادرة عن المركز الجهوي للاستثمار لجهة الدار البيضاء-سطات (CRI)، تتوزع المقاعد البالغ عددها 115 ألفاً على عدة مستويات مدروسة صوتياً وبصرياً، تضم مقصورات شرفية ورئاسية، وأجنحة ضيافة متطورة مخصصة لكبار الشخصيات والوفود الرسمية، مما يجعل منه أكبر ملعب مغطى في العالم من حيث السعة المستمرة للمباريات الدولية.

تقنيات أرضية اللعب: دقة الحسابات في العشب الهجين والتهوية الذكية

في مطلع شهر أكتوبر 2026، حسمت الوكالة الوطنية للتجهيزات العامة (ANEP) بالشراكة مع الشركة الوطنية لإنجاز وتدبير المنشآت الرياضية (SONARGES) صفقة محورية تتعلق بالمستطيل الأخضر. فقد أُسندت أشغال تهيئة أرضية اللعب بالعشب الطبيعي الهجين والعشب الاصطناعي إلى تجمع مقاولاتي متخصص بغلاف مالي بلغ 92.47 مليون درهم، كما أوردت نشرة صناع المغرب (Industrie du Maroc).

وتتجاوز هذه الصفقة المفهوم التقليدي لزراعة العشب، لتشمل حزمة متكاملة من التجهيزات الحيوية:

  1. التهوية القسرية وتصريف المياه الفوري: نظام آلي تحت سطحي لسحب مياه الأمطار الغزيرة وضخ الهواء الدافئ أو البارد لتنظيم حرارة الجذور ومنع تعفن التربة.

  2. الإنارة البستانية بتقنية LED: أذرع إضاءة ذكية تحاكي أشعة الشمس فوق المناطق الظليلة داخل الملعب لتحفيز نمو العشب وتجدده في فترات التوقف بين المباريات.

  3. أجهزة الرصد الاستشعارية: مجسات إلكترونية مدمجة لقياس الرطوبة، والملوحة، ودرجة تماسك التربة لتوفير أرضية مطابقة بنسبة 100% لأعلى متطلبات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).

المدينة الرياضية المتكاملة: تحول وظيفي لجماعة المنصورية وإقليم بنسليمان

تكمن القيمة المضافة الحقيقية للمشروع في شمولية المخطط التوجيهي، إذ يمتد التدخل على مساحة 100 هكتار لاحتضان «مدينة رياضية متكاملة» تُسهم في خلق فرص العمل وإنعاش الاقتصاد المحلي وفق ما وثقته منصة CRI Casablanca-Settat. وتضم المنشأة المرافقة:

  • ملعباً لألعاب القوى الأولمبية: بطاقة استيعابية تبلغ 24 ألف مقعد، مخصص للتظاهرات الإفريقية والدولية لأم الألعاب والتدريبات الإعدادية للفرق.

  • قاعات مغطاة ومسابح أولمبية ومراكز طب رياضي: لتأهيل النخب الرياضية واستضافة بطولات كرة اليد، والسلة، والرياضات المائية.

  • مركزاً للمؤتمرات والمعارض وفندقاً من صنف خمس نجوم: يضمن تدفقاً دائماً للزوار والفعاليات طيلة أيام السنة خارج مواسم البطولات الكروية، مما يضمن الجدوى التشغيلية وتفادي ظاهرة «الملاعب المهجورة».

الرهان الاستراتيجي: السباق نحو استضافة المشهد الختامي لمونديال 2030

سياسياً ودبلوماسياً، يمثل ملعب بنسليمان الورقة الرابحة للمغرب في المنافسة الودية مع الجانب الإسباني (ملعب سانتياغو برنابيو بمدريد وكامب نو ببرشلونة) لاحتضان المباراة النهائية لكأس العالم 2030. فبفضل سعته الاستثنائية وتصميمه المستوفي لأرقى دفاتر التحملات، يمنح هذا الملعب القارة الإفريقية والعالم العربي حجة صلبة لتنظيم النهائي على أرض إفريقية للمرة الثانية في التاريخ بعد جوهانسبرغ 2010.

وعلى صعيد الربط اللوجستي، يتزامن ورش بناء الملعب مع مشاريع النقل المهيكلة:

  • تمديد شبكة القطار فائق السرعة (LGV): إنشاء محطة سككية مخصصة لربط الملعب مباشرة بالدار البيضاء (في أقل من 20 دقيقة) والرباط (في 15 دقيقة) وطنجة ومراكش.

  • المحاور الطرقية ومواقف السيارات: ربط مباشر بالطريق السيار المداري للدار البيضاء والطريق السيار القاري، إلى جانب تهيئة محطات لنقل الجماهير عبر حافلات كهربائية عالية الجودة لتفادي الاختناقات المرورية.

 إرث مستدام يتجاوز البعد الرياضي

إن تشييد ملعب الحسن الثاني الكبير في بنسليمان ليس مجرد سباق مع الزمن لتلبية متطلبات الفيفا، بل هو تجسيد عملي لسياسة الدولة الاجتماعية والاستثمارية التي تستغل الأحداث الكبرى لإحداث قفزة نوعية في البنيات التحتية الأساسية.

وحين تكتمل الأشغال عام 2028، ستكون منطقة بنسليمان-المنصورية قد تحولت من منطقة شبه قروية إلى قطب جاذب للاستثمار والخدمات اللوجستية والسياحة الرياضية، معززة مكانة المغرب كملتقى للحضارات وجسر رياضي وثقافي يربط إفريقيا بأوروبا والعالم.

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.