الرباط / مدريد — يقترب الحلم الجيوسياسي الذي راود صناع القرار على ضفتي المتوسط لأكثر من أربعة عقود من مرحلة الحسم التقني والجيولوجي. وتشهد اللجان المشتركة بين
الواقعية الهندسية: لماذا حسم الخبراء الخيار لصالح القطارات؟
أسقطت الدراسات المقارنة الحديثة فرضية إقامة جسر معلق أو نفق طرقي مخصص للسيارات، واستقرت التوصيات الهندسية المشتركة على خيار النفق السككي المزدوج المشابه لنموذج نفق المانش الرابط بين بريطانيا وفرنسا.
ويعود هذا الاختيار الاستراتيجي إلى كفاءة القطارات فائقة السرعة في نقل المسافرين وشاحنات البضائع عبر مكوكات قطارية مخصصة (Shuttle)، فضلاً عن قدرة المنظومة الكهربائية السككية على خفض المخاطر البيئية وانعدام انبعاثات العوادم داخل نفق يمتد في أعماق مائية سحيقة، بما يتماشى مع معايير التنقل المستدام في الحوض المتوسطي، بحسب التحليلات المنشورة عبر
عقبة الأعماق والتصدعات التكتونية: هندسة مسار "بونتا بالوما-طنجة"
تفرض طبيعة مضيق جبل طارق تحديات استثنائية تفوق ما واجهه المهندسون في أي مشروع بحري سابق عبر العالم:
تفاصيل المسار المعتمد والتكوينات الجيولوجية
تخلت اللجان التقنية عن المسار الأقصر جغرافياً بين النقطتين الأقرب (14 كيلومتراً) بسبب عمق قاعه السحيق الذي يتجاوز 900 متر، واعتمدت المسار الغربي الأطول والأقل عمقاً:
طول المسار الهندسي الإجمالي: يمتد المشروع على مسافة 38.7 كيلومتراً، منها 27.7 كيلومتراً تحت قاع البحر، رابطاً بين بونتا بالوما غرب طريفة الإسبانية ورأس مالاباطا بخليج طنجة.
عتبة العمق الأقصى: ينحدر النفق إلى عمق تشغيلي يناهز 475 متراً تحت سطح البحر (منها 300 متر عمق المياه و175 متراً داخل الطبقات الرسوبية للقاع)، مما يولد ضغطاً مائياً هائلاً يستلزم تبطيناً خرسانياً فائق المقاومة.
مواجهة التكوينات الطينية المعقدة: تتركز الدراسات الزلزالية الميدانية على تحليل طبقات طينية مضغوطة تُعرف بـ"الفليش" (Flysch)، ومناطق تصدعات نشطة عند التقاء الصفيحة التكتونية الإفريقية بالصفيحة الأوراسية، لابتكار حلول تحمي النفق من أي ارتدادات زلزالية محتملة.
ما بعد رمزية 2030: حقيقة الجدول الزمني والتمويل الدولي
وضعت التقييمات الواقعية حداً للتكهنات التي ربطت اكتمال النفق بحفل افتتاح كأس العالم 2030؛ إذ يُجمع الخبراء على أن المشروع يتطلب ما لا يقل عن عقد كامل من الأشغال الإنشائية بعد المصادقة النهائية على الصفقات الدولية وتوفير الاعتمادات المالية التقديرية التي تتراوح بين 10 و15 مليار يورو.
وتسعى الرباط ومدريد إلى تحويل النفق إلى مشروع ذي أولوية استراتيجية للاتحاد الأوروبي والمؤسسات التمويلية العالمية؛ حيث سيستفيد الخط من تمويلات مبادرة "البوابة العالمية" (Global Gateway) الأوروبية، إلى جانب مساهمات بنوك التنمية الإفريقية، باعتباره حلقة وصل حيوية تدمج شبكة السكك الحديدية الأوروبية بالممر الأطلسي الإفريقي.
الانقلاب الجيواقتصادي: ربط أسواق 1.3 مليار نسمة بأوروبا
لا تنحصر القيمة المضافة لهذا المعبر في تقليص زمن السفر بين مدريد وطنجة إلى نحو ثلاث ساعات، بل تمتد لتأسيس شريان تجاري يغير جغرافيا الإمداد العالمي.
فسيتيح النفق عبور البضائع الفلاحية والصناعية ومكونات السيارات والبطاريات المنتجة في المنصات المغربية نحو كبريات المدن الأوروبية في غضون ساعات قليلة دون الحاجة لانتظار العبارات البحرية أو التأثر بالاضطرابات الجوية. وسيعزز هذا الربط مكانة المغرب كبوابة لا غنى عنها لتدفق الاستثمارات الدولية نحو سوق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf)، محولاً المضيق من حاجز مائي يفصل بين قارتين إلى نقطة ارتكاز للتعاون الاستراتيجي بين الشمال والجنوب.
شاركنا رأيك
هل تعتقد أن نفق جبل طارق السككي يستحق هذه الكلفة المالية الباهظة في ظل تطور خدمات الشحن البحري والجوي، أم أنه خطوة ضرورية لحسم الاندماج الاقتصادي المستدام بين إفريقيا وأوروبا؟ شاركنا رؤيتك وتحليلك في مساحة التعليقات أدناه.
.jpeg)